عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

184

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

إلى اللّه ، وعدم الالتفات إلى ما سواه ليتجلى اللّه في مرآة قلوبكم ، فتعطون جمالا يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] وإنما كانت العزة والجلال من خصوصية المستخلف لأنه غني عن العالمين . وإنما كانت الذلة والافتقار من خصوصية الخليفة ، لأن العالمين مفتقرون إليه كما قال تعالى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ محمد : 38 ] فكانت محبة الخليفة ذلة وافتقار ومحبة المستخلف عزة وجلالا ، قال تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً [ فاطر : 10 ] أي : من كان يريد العزة بغير اللّه ودينه فلا يجدها فإن العزة للّه جميعا ، ومن يريد الاعتزاز باللّه ودينه فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين بمطاوعة اللّه ومتابعة رسوله وموافقة المؤمنين يجدها ، فمن طلب العزة من اللّه أعزه اللّه ، ومن طلب من غير اللّه أذله اللّه . ولهذا قال : « الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني فيهما ألقيته في النار » « 1 » . [ انقسام المحبة ] ثم اعلم أن المحبة على ثلاثة أقسام : محبة إنسانية ومحبة إيمانية ومحبة ربانية . فأما المحبة الإنسانية فما هو مركوز في الجبلة الإنسانية وهو على نوعين : محبة روحانية ومحبة نفسانية ، فالمحبوبات التي هي من نتائج المحبة الروحانية التأله والعلوم العقلية وأفعال الخير والأخلاق الحسنة كما يكون للرهابين والبراهمة والفلاسفة وغيرهم يشترك فيها المؤمن والكافر . وكذلك محبوبات المحبة النفسانية وهي كما قال تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا [ آل عمران : 14 ] . وأما المحبة الإيمانية : فهي من نتائج نور الإيمان . فمن ازداد من نور الإيمان ازدادت محبته . وقد أخبر اللّه تعالى عن المحبة الإنسانية والإيمانية بقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [ البقرة : 165 ] وعلامة هذه المحبة استيلاء محبة الموافقة على القلوب وانزعاج محبة المخالفة عنها واستطابة روح المؤانسة ، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ، قد اشتعلت قلوبهم بلزوم دوام ذكر المحبوب عن اللذات ، واشتعلت نار المحبة على

--> ( 1 ) رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر الإخبار بأن من تقرب إلى اللّه قدر شبر أو ذراع . . . ، حديث رقم ( 328 ) [ ج 2 ص 35 ] . ورواه أبو داود في سننه ، كتاب اللباس ، باب ما جاء في الكبر ، حديث رقم ( 4090 ) ورواه غيرهما .